الوقت - بعد ثلاث سنوات من حرب غزة الدامية والجريمة الكبرى التي ارتكبها الكيان الصهيوني بحق شعب هذا القطاع بدعم من الغرب، تتضح يوماً بعد يوم بوادر فشل الحلم الذي كان يلوح في الأفق لحركة المقاومة الإسلامية في غزة. ويتجلى أحدث دليل على ذلك في ترحيب مختلف الفصائل الفلسطينية بلقاء زعيم حماس في القاهرة، بهدف وضع خطة لمستقبل التطورات الفلسطينية.
وفي السياق نفسه، التقى خليل الحية، رئيس المكتب السياسي لحماس، بقادة وممثلي الفصائل والحركات الفلسطينية في القاهرة، عاصمة مصر، يوم الاثنين (16 أغسطس). أفاد بيان صادر عن مكتب قائد حركة حماس بأن قادة الفصائل الفلسطينية اطلعوا على آخر التطورات السياسية والميدانية، ونتائج اجتماعاتهم مع المسؤولين المصريين والوسطاء والجهات الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار في مدينة الأمين. وقدّمت الهيئة، خلال الاجتماع، تقريراً مفصلاً عن عملية المفاوضات، ومواقف الأطراف المختلفة، وردود الفعل التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق على خارطة طريق تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وحمّل المشاركون في الاجتماع الكيان الصهيوني مسؤولية عرقلة تنفيذ الاتفاق، مؤكدين أن الكيان عرقل تنفيذه برفضه خارطة الطريق، وتجاهله التفاهمات التي تم التوصل إليها في المرحلة الأولى، واستمراره في الانتهاكات اليومية.
كما ناقش الاجتماع توسيع المستوطنات، وسياسات التهويد، واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، والوضع الصعب الذي يعيشه سكان غزة، وسبل وقف العدوان المتصاعد، وكيفية حماية الشعب الفلسطيني من الوقوع ضحية للمنافسات الانتخابية في الكيان الصهيوني.
أكد المشاركون على ضرورة حشد كافة الجهود لتقديم الإغاثة للشعب الفلسطيني، وتعزيز مقاومته وصموده، وتوفير ظروف معيشية كريمة، وتسريع عملية التعافي وإعادة الإعمار، بما يُمكّن الشعب الفلسطيني من تحقيق أهدافه على أرضه تحقيقاً كاملاً.
كما أكدوا على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لتنظيم الوضع الداخلي في فلسطين على أساس المشاركة الوطنية والديمقراطية، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التحديات الراهنة، وإنشاء آليات لتحقيق الأهداف والتطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك ضمان حقه في تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.
حماس لا تزال قائمة وقوية
إن اجتماع الفصائل الفلسطينية مع قائد حماس، في وقت يسعى فيه الكيان الصهيوني بكل السبل الممكنة إلى تدمير هذه الحركة والقضاء على أكبر فصائل المقاومة الفلسطينية، يبعث برسالة واضحة إلى قادة هذا الكيان مفادها أن حلم تدمير حماس والمقاومة في الساحة السياسية الفلسطينية قد فشل، وأنه على الرغم من ثلاث سنوات من الضغوط السياسية، والهجمات العسكرية واسعة النطاق، والحصار الشديد المفروض على غزة، فإن الفلسطينيين غير مستعدين للرضوخ لمطلب الكيان الصهيوني بإقصاء حماس من إدارة شؤون غزة.
وتُظهر هذه الاجتماعات أن الفصائل الفلسطينية، بل والشعب الفلسطيني برمته، يعتبرون حماس حركة راسخة وثابتة في مجال المقاومة.
ورغم أن الحركة قد ضعفت بفقدان عدد من قادتها، إلا أنها خرجت منتصرة من حرب غير متكافئة وكبيرة، وعادت لتصبح من أهم الفاعلين في المشهد الفلسطيني، حركة قادرة على لعب دور محوري في تحديد مستقبل الفلسطينيين، من تحقيق حقوقهم إلى تحرير القدس وإقامة الدولة الفلسطينية.
رغم أن حماس حلت حكومتها مؤخرًا وأعلنت استعدادها لتسليم أسلحتها إلى حكومة تكنوقراطية مؤلفة من فصائل فلسطينية، فإن معظم الحركات السياسية الفلسطينية لا تزال تعتبر حماس لاعبًا فاعلًا في الإدارة السياسية والأمنية لغزة، وتؤكد على دورها المحوري في مستقبل المنطقة.
كما أظهرت تجربة العشرين عامًا الماضية، ودعم أهالي غزة لحماس، أنه لا يمكن استبعاد حركة المقاومة الإسلامية من المعادلة الفلسطينية، حتى وإن كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عازمين على تدميرها بالضغوط السياسية والعسكرية.
ترسيخ مكانة المقاومة في النظام الإقليمي الجديد
إن ترحيب التيارات السياسية الفلسطينية بلقاء زعيم حماس لا يقتصر على التطورات في فلسطين فحسب، بل ينبع أيضًا من المنظور الذي أرساه انتصار إيران في الحرب ضد الجبهة الأمريكية الصهيونية.
أظهرت هذه الحرب أن حتى التدخل المباشر للولايات المتحدة واستخدام خيار الحرب الشاملة لم يُغيّرا وجه المقاومة في المنطقة، وأن النظام الجديد يترسخ ويُحدد مستقبلها.
بينما يحلم نتنياهو بإقامة "إسرائيل الكبرى" وتغيير المشهد الأمني والجيوسياسي للمنطقة جذريًا عبر احتلال المزيد من الأراضي الإسلامية وطرد الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، فإن حرب رمضان وهزيمة العدوان الأمريكي بدعم من الكيان الصهيوني وحتى حلف شمال الأطلسي (الناتو) تُعدّان، في نظر المراقبين والمحللين الدوليين، عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل النظام الإقليمي لصالح المقاومة.
دور حماس الحاسم في مستقبل غزة
أكد قادة حماس مرارًا وتكرارًا أن تحرير الأراضي المحتلة وعودتها إلى الفلسطينيين لن يتحقق إلا بالكفاح المسلح، وقد أدرك الصهاينة هذه الحقيقة، ولذلك يسعون جاهدين لنزع سلاح المقاومة منهم بكل الوسائل الممكنة. لأنه في غياب أسلحة المقاومة، يستطيع قادة تل أبيب المضي قدماً في خططهم التوسعية الإقليمية دون عقبات جدية، وهي عملية بدأت تظهر علاماتها تدريجياً في الضفة الغربية.
رغم الهجمات الهائلة والدمار الذي ألحقه جيش الاحتلال بقطاع غزة بهدف القضاء على حماس، لا تزال الحركة صامدة عشية الذكرى السنوية الثالثة للحرب. ويُعدّ الاجتماع المباشر بين ممثلي الولايات المتحدة وقادة حماس على طاولة المفاوضات اعترافًا بأن هذه الحركة لا تزال القوة المهيمنة في غزة، وأن الضغوط السياسية والعسكرية لم تفلح في إقصائها من حسابات إدارة المنطقة.
ونظرًا للنظرة الإيجابية التي تُبديها العديد من التيارات السياسية الفلسطينية تجاه حماس، ينبغي أن تكون هذه الحركة حاضرة في أي عملية صنع قرار بشأن مستقبل غزة السياسي والأمني. تمتلك حماس خبرة واسعة في إدارة غزة ومحاربة الكيان الصهيوني، وبدون تعاونها، ستواجه أي حكومة بديلة صعوبات جمة.
كما هو الحال بعد 38 عامًا من الاحتلال، حين طردت حماس الجيش الصهيوني من غزة، ورفض الشعب الفلسطيني، بانتخابه لهذه الحركة، عملية التنازل والاستسلام للحكم تحت غطاء فلسطيني كعميل صهيوني في هذه المنطقة، فإن إصرار الصهيونية على مواصلة الاحتلال والتهجير القسري، واستمرار سياسة التهجير والحصار، سيؤدي إلى تجدد حركات المقاومة ضد الاحتلال في هذا القطاع، بل وتعزيزها بشكل أكبر.
لذا، إذا أرادت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فرض حكومة خارج إطار الحركات الفلسطينية على غزة عبر ضغوط دولية، فلن تحظى هذه الحكومة بالدعم الشعبي والسياسي اللازم، ولن تدوم طويلًا.
وبالنظر إلى مكانة حماس في الساحة السياسية والأمنية لغزة، فإن إقصاء هذه الحركة من حسابات المستقبل قد يُشكل عائقًا أمام استقرار المنطقة. لذلك، فإن أي خطة لمستقبل هذه المنطقة لديها فرصة للنجاح إذا صُممت بناءً على الواقع القائم وبمشاركة التيارات الفلسطينية الرئيسية والراسخة.
